محمود أبو رية

40

أضواء على السنة المحمدية

الثاني - أن السنة إما بيان للكتاب ، أو زيادة على ذلك ، فإن كانت بيانا كانت ثانيا على المبين في الاعتبار - إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان ، ولا يلزم من سقوط البيان سقوط المبين - وما شأنه هذا فهو أولى في التقدم ، وإن لم يكن بيانا فلا يعتبر إلا بعد ألا يوجد في الكتاب ، وذلك دليل على تقدم اعتبار الكتاب . الثالث - ما دل على ذلك من الأخبار والآثار كحديث معاذ ، بم تحكم ؟ قال : بكتاب الله . قال ، فإن لم تجد ؟ قال : بسنة رسول الله . قال : فإن لم تجد ؟ قال : أجتهد رأيي ( 1 ) . وبعد ما أورد الشاطبي أدلة كثيرة عن عمر وابن مسعود وابن عباس تثبت ذلك قال : والمقطوع به في المسألة أن السنة ليست كالكتاب في مراتب الاعتبار . ومما قاله : " إن السنة بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب ، ودل على ذلك قوله تعالى : ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) ، وأن السنة راجعة في معناها إلى الكتاب ، فهي تفصيل مجمله ، وبيان مشكله ، وبسط مختصره ، وذلك لأنها بيان له ، وهو الذي دل عليه قوله تعالى : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) فلا تجد في السنة ( 2 ) أمرا إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية ، وأيضا فكل ما دل على أن القرآن هو كلية الشريعة ( 3 ) وينبوع لها فهو دليل على ذلك ولأن الله قال : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) : وفسرت عائشة ذلك بأن خلقه القرآن ، - واقتصرت في خلقه على ذلك - فدل على أن قوله وفعله وإقراره راجع إلى القرآن ، لأن الخلق محصور في هذه الأشياء ، ولأن الله جعل القرآن تبيانا لكل شئ ( 4 ) ، فيلزم من ذلك أن تكون السنة حاصلة فيه في الجملة ، لأن الأمر والنهي أول ما في الكتاب ، ومثل قوله : ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ( 5 ) ) وقوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) وهو يريد بإنزال القرآن - فالسنة إذن في محصول الأمر بيان

--> ( 1 ) رواه أبو داود والترمذي والدارمي . ( 2 ) أي السنة الثابتة . ( 3 ) أي جامع لكليات الشريعة وأصولها . ( 4 ) قال تعالى في سورة النحل : " وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " . ( 5 ) أي من أمور الدين وغير الدين .